رجــــــال ومـــــــواقف سالم مولى أبي حذيفة.!!

منوعات 0 .

للرجولة مواقف لا يصلح لصناعتها بحقها إلا الصادقون الأحرار، الذين نهلوا من منهل الإسلام العذب الزلال الذي صيّر من سالم- بعدما كان رقيقا يباع سيداً يطاع ويتبع، فقد صار بالإسلام رابع من أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُؤخذ عنهم القرآن، فكان للقرآن حافظاً، وللواء الإسلام رافعاً، برز في مشاهد الجهاد والتضحية، شجاعاً مهاباً مقداماً، يتقدم الصفوف كتقدمه على غيره في أخذه للقرآن، مستشعراً أن تزيينه للقرآن الذي حواه فؤاده إنما يكون بثباته ورباطة جأشه، وشجاعته وتضحيته وإقدامه في مواطن النزال، لهذا تأهل لحمل لواء المهاجرين يوم اليمامة، التي شهدت حربا رهيبة، لم يبتل الإسلام بمثلها، ففي ذلك اليوم خرج سالم وأخوه في الله أبو حذيفة، ومع بدء المعركة لم يصمد المسلمون للهجوم، وهنا أحس كل مؤمن أن المعركة معركته، والمسؤولية مسؤوليته، فجمعهم خالد بن الوليد من جديد، وأعاد تنسيق الجيش بعبقرية مذهلة، وتعانق الأخوان أبو حذيفة وسالم وتعاهدا على الشهادة في سبيل الدين الحق الذي وهبهما سعادة الدنيا والآخرة، وقذفا نفسيهما في الخضم الرهيب..!! ومع اشتداد البأس كان أبو حذيفة ينادي: “يا أهل القرآن زينوا القرآن بأعمالكم” وسيفه يضرب كالعاصفة في جيش مسيلمة الكذاب، وكان سالم يصيح من جهته: بئس حامل القرآن أنا لو هُوجم المسلمون من قِبلي..!! وحاشاك يا سالم.. بل نعم حامل القرآن أنت..!! وكان سيفه صوّال جوّال في أعناق المرتدين، الذين هبوا ليعيدوا جاهلية قريش، ويطفئوا نور الإسلام، وظل يقاتل رضي الله عنه قتال الأبطال حتى هوى سيف من سيوف الردة على يمناه فبترها، وكان يحمل بها راية المهاجرين بعد أن سقط حاملها زيد بن الخطاب شهيداً، ولما رأى يمناه تبتر، إلتقط الراية بيسراه، وراح يلوح بها إلى أعلى وهو يصيح تاليا قول الله جل في عُلاه: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) آل عمران) مجسداً بصموده، وثباته، وشدة بأسه، وصبره ما يتلو من القرآن.

وبينما سالم يتلو الآية ويرفع اللواء بيده اليسرى، ثابتاً مستبسلا خشية أن يسقط لواء المسلمين جراء إصابته فتتسلل لنفوسهم الهزيمة إذ بغاشية من المرتدين تحيط به فيسقط البطل، ولكن روحه ظلت تردد في جسده الطاهر ما كان يتلو من القرآن، حتى انتهت المعركة بقتل مسيلمة الكذاب واندحار جيشه وانتصار المسلمين، ومع انتهاء المعركة وبينما المسلمون يتفقدون ضحاياهم وشهداءهم وجدوا سالما في النزع الأخير، وهو يسأل ما فعل أبو حذيفة؟ قالوا: استشهد، فقال: إذا فأضجعوني إلى جواره، قالوا: إنه إلى جوارك يا سالم لقد استشهد في نفس المكان، فابتسم ابتسامته الأخيرة ولم يعد يتكلم، فقد أدرك وصاحبه ما كانا يرجوان!! فمعاً أسلما، ومعاً عاشا، ومعاً استشهدا، فيا لروعة الحظوظ وجمال المقادير، وهكذا ذهب إلى الله المؤمن الكبير الذي قال عنه عمر بن الخطاب وهو يموت: لو كان سالم حيا لوليته الأمر من بعدي..!!

فهل لنا ونحن نقف مع سيرة هذا الجبل الأشم أن نستنشق من عبير شمائله ما يبث فينا روح الثبات، والقوة، والإقدام، والشجاعة، والصبر، لنثب إلى الأمام مجسدين ما كان عليه أجدادنا الأوائل الذين قال فيهم شاعر الإسلام والدعوة محمد إقبال رحمه الله:

نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم

والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا

جعلوا الوجوه إلى الحجاز وكبروا

في مسمع الكون العظيم وكبرا

كنا جبالاً في الجبال وربما

سرنا على موج البحار بحارا

لم تنس إفريقيا ولا صحراؤها

سجداتنا والأرض تقذف نارا

كنا نقدم للسيوف صدورنا

لم نخش يوماً غاشماً جبارا.

الكاتب .

.

مواضيع متعلقة

اترك رداً