استبداد مطلق.. وطغيان أحمق.. وظلم لا يقبله أحد كل السبب عساكر الحلالي!!

img
«إن موقف الطاغية كذلك الذي يقطع الشجرة لكي يقطف الثمرة» حكمة قالها «منتسكيو» قديماً، جسدها الأئمة من بيت «حميد الدين» وأسلافهم، وكما كانت اليمن بالنسبة لهم قرية لـ«الجبايات» الكبيرة، كان الشعب تلك الشجرة الغنية بالثمار، التي سقطت في الأخير فوق من اعتدى عليها، وأردته قتيلاً.
مارس «الأئمة الزيود» العبث على «عباد الله»، في حياتهم وممتلكاتهم، فـ«الاستبداد المُطلق» كان عنوان حكمهم، والهوية اللصيقة به، و«الطغيان الأحمق»، كان سلوكهم اليومي الذي يتباهون به، قادوا البلاد بما أملته عليهم رغباتهم الفجة، وفَصلُوا فقهاً سياسياً يشملهم بكل الخيرات، ويستثني كل اليمن.
كانوا يقولون أنهم يَحكمـون بـ«أمر الله»، وبـاسم «الحق الإلهي»؛ في صـورة مشابهة لتلك التي حدثت في أوربا إبان العصور الوسطى، مكررين ما قاله «جيمس الأول» ملك بريطانيا ذات يوم، بـ«أن الملوك يـَمشُـون على عـَرش الله في الأرض»؛ وما من استبداد سياسي – كما قال الكواكبي – إلا ويتخذ لنفسه صفة قدسية يشارك بها الله، والطغاة ـ كما قال الوردي ـ يعبدون الله، وينهبون عباد الله في آن واحد.
وهذا الشهيد محمد محمود الزبيري، يصف حكم الأئمة بأنه حكماً مطلقاً من كل القيود، حتى من قيود الاعتبارات الدكتاتورية نفسها، وأن الإمام يعتقد أن سلطته من السماء، وأن الله هو الذي اختاره ليحكم هذا الشعب، وألهمه أن يعمل، وأن لا يعمل؛ وأن الله هو الذي جعل من تصرفاته شرائع، تنسخ الشرائع؛ ودينا ينسخ الأديان، ولا ضير أن يتحول ابناء الشعب إلى مجرمين ولصوص وقطاع طرق، تباح دماؤهم وأموالهم، وأعراضهم، بمجرد أن يغضب الإمام، أو يغضبوا عليه.

بــلال الــطــيب

عبر تاريخ الإمامة الطويل، كانت الزكاة تؤخذ من سكان «اليمن الأعلى» بموجب ما حدده الشرع، تزيد أحياناً في حال نشبت حرب ما، تحت مسمى ضريبي، وتنقص غالباً أو تلغى، في حال أرادت القبائل الشديدة الولاء للإمامة ذلك، بمبررات واهية، تتصل غالباً بما تجود به السماء، وكان يطلق على هؤلاء المعفيون: «أنصار» لا «رعايا».
كل الإسلام!!
حين أمتد نفوذ «الإمامة الزيدية» إلى «اليمن الأسفل»، منتصف القرن الحادي عشر الهجري، في عهد «المؤيد» محمد بن القاسم، الإمام الثاني لـ«الدولة القاسمية»، صارت الزكاة هي كل الإسلام؛ وقد أفتى ذات الإمام بأخذها لثلاث سنوات قادمة، تحت مسمى «واجبات المستقبل»؛ أما أخاه «المتوكل» إسماعيل، فقد أفتى هو الآخر بتكفير «الشوافع»، والزامهم بدفع الجزية، وجعل أراضيهم خراجية، حكمها كحكم أراضي «خيبر».
تحفظ لنا كتب التاريخ تلك المحادثة التي دارت بين «المتوكل» إسماعيل وبين أحد عماله الذين أسرفوا في نهب وتدمير ممتلكات «الرعية الشوافع»، وحين شعر العامل بالذنب ارسل إلى الإمام يسأله:
«هل يؤاخذنا الله فيما فعلناه بحق هؤلاء..؟!».
فأتاه الجواب منه كالصاعقة: «لا يؤاخذني الله إلا فيما ابقيته لهم».
بعد هذه «الفتاوى» صار عمال الإمام وعساكرهم يأخذون الزكاة من «الشوافع» ارتجالاً وبـ«التخمين»؛ وكانوا أيضاً يأخذونها قبل الحصاد؛ وذلك بنهب ما يدخره «الرعية» للمستقبل، حتى المواشي لم تسلم من أذيتهم، حرموها من الأعلاف، بأخذ «زكاة المُتبقي»؛ وغالباً ما كانت تعصف تلك الجبايات بأكثر من ثلثي المحصول، وأحياناً كُله؛ وما تم جمعه يخزن في مخازن الإمام، ومدافنه الخاصة، دون أن يتم توزيعها على مصارف الزكاة المعروفة، والمنصوص عليها في كتاب الله.
غير الزكاة، أوجد الأئمة مطالب ضريبية ما أنزل الله بها من سلطان، وبمسميات مختلفة، نذكر منها: «مطلب التنباق، ومطلب الرباح، ومطلب الرصاص والبارود، ومطلب سفرة الوالي، ومطلب العيد»، أضف إلى ذلك «مطلب الصلاة»، حيث كان العساكر يلاحقون تاركي الصلاة؛ ويفرضون عليهم عقوبات مالية يستصفونها لهم، حتى المواظبين عليها لم يسلموا من ذلك؛ ألزموا بدفع مبلغ مالي لإمام المسجد «الهاشمي»؛ وفي المناطق الريفية كان «التلم العاشر» في «الجربة» له.
الدواء العاجل
الطابع الديني إذن، كان هو الغالب والمتسيّد، وكان لتلك الفتاوى وتلك المطالب أثرها البالغ في نفوس أنصار الأئمة، وعمالهم، وعساكرهم «المُتهبشون»، وبما أن «الشوافع» بنظر هؤلاء «كُـفـار تـأويـل»، و«إخوان نصارى»، فهم يستحقون كل ما يجرى لهم، من سلب، ونهب، وإذلال.
وعلى هذا الأساس أبيح للعساكر أن يغالوا في أجرتهم، وأن يأخذوا من الرعية «البصائر» وثائق تمليك الأرض، أو «الجنبية» كرهن، وأن يسكنوا في مساكنهم بالقوة، حتى لو أدى الأمر إلى طرد رب المنزل؛ وأن يفرضوا على الزوجة خدمتهم وإطعامهم، والكثير الكثير من المثالب، التي تحتفظ بها الذاكرة الشعبية، وترددها على الدوام.
العلامة المجدد ابن الأمير الصنعاني أشار إلى ذلك الظلم الفادح بقصيدة زاجره، هي في الأصل مُرسلة للأئمة «القاسميين»، نقتطف منها:
فيا عصبة من هاشم قاسمية
إلى كم ترون الجور إحدى المفاخر
يفديكم ابليس حين يراكم
يقول: بكم والله قرت نواظري
خراجية صيرتم الأرض هذه
وضمنتم الأعشار شر المعاشر
ملأتم بلاد الله جوراً وجئتم
بما سودت به وجوه الدفاتر
فبالأخذ كم قد اغلقت من مدارس
وكم من سبيل غدا غير عامر
وكم في زبيد اغلقت من مساجد
واغلق فيها جامع للأشاعر
العلامة المجدد محمد علي الشوكاني، هو الآخر سعى جاهداً لمواجهة هذا الاعتساف والظلم، وتوسط عند أئمة عصرة لرفعه عن كاهل الرعية، وحين باءت محاولاته بالفشل كتب رسالة «الدواء العاجل في دفع العدو الصائل»، أكد فيها أن مصدر الخلل هو عدول أولي الأمر عن القيام بوظائفهم الأساسية من حفظ شرع الله، وإقامته بين الناس، واستغلال مناصبهم الإدارية في خدمة أغراضهم الشخصية، وتحسين وضعيتهم المالية.
وفي ذلك قال: «فإن الأمور الشرعية والفرائض الدينية هي التي شرّع الله نصب الأئمة والسلاطين والقضاة لإقامتها، ولم يشرّع نَصْبَ هؤلاء لجمع المال من غير وجهه، ومصادرة الرعايا في أموالهم بإضفاء ما أوجبه الله عليهم».
قسم «الشوكاني» المجتمع اليمني إلى ثلاثة أقسام: رعايا يأتمرون بأمر الدولة «اليمن الأسفل»، ورعايا خارجون عن سلطان الدولة «اليمن الأعلى»، وسكان المُدن، وبيّن أن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل ولاية انحصرت في ثلاثة مسؤولين: «عامل، وكاتب، وقاض».
«الشوكاني» شن هجومه على هؤلاء الثلاثة، «مُقنني الفيد»، فالعامل ـ حد وصفه ـ لا عمل له إلا استخراج الأموال من أيدي الرعية بالحق والباطل، والكاتب شريكه في كل شيء، وليس له من أمر إلا جمع ديوان يكتب فيه المظالم التي يأخذها العامل من الرعايا، أما القاضي فقد اتهمه بأنه جاهل بالشرع، وبأحكام القضاء، لا يدفع الظلم عن الرعية، ولا يأخذ بيد الظالم، وأن جل همه جمع الأموال من الخصوم، والدفاع عن منصبه ببعضها.
استباحات مُطلقة
الأئمة من بيت «حميد الدين» لم يحيدوا قيد أنملة عن نهج أسلافهم، بل فاقوهم بابتكار أساليب أكثر انحطاطاً، مبتدأها «التنافيذ» التعسفية، وخاتمتها «الخطاط» الإجباري، ويقصد بالأخير أن العساكر المتوحشون كانوا يحطون رحالهم في منازل الرعية، ويتصرفون في الأموال والممتلكات وكأنها ملكهم، وهم في الأصل أرسلهم الإمام لإخضاع احدى القبائل المتمردة، دون أن يمدهم بالمؤن اللازمة لإنجاح مهمتهم، والتي غالباً ما تكون من مهام القبائل المجاورة؛ والتي لا ذنب لها إلا أن القدر وضعها في طريقهم.
أما «التنافيذ» فتعني الأوامر المطلقة من الإمام إلى جميع العمال في إنفاذ العساكر على الرعية، وله أنواع، منها «الاحتساب»: وهي أن يشجع العامل بعض أشرار الرعية للاحتساب على الشيخ الفلاني، بدعوى أنه لم يُسلم حقوق بيت المال للسنة الفلانية، فينفذ العساكر على القرية أو العزلة، ومنها «القبض» و«التخمين»، والمقصود بالأخير تخمين غلة السنة، وعندما يحين الوقت يخرج «المخمن» وبصحبته عشرات العساكر، وإذا طغى «المخمن» في تقدير المبالغ المطلوبة، عززه العامل بآخر، ومعه عدد من العساكر، ويسمى هذا بـ«الكاشف»، فإن قرر ما قرره الأول، عُزز بـ«كاشف الكاشف»، وعلى الرعية في جميع الحالات توفير الإعاشة لهم، ودفع أجرتهم.
أما «القبض» فهو أن يعين العامل قباضين لقبض الضرائب، يخرجون وبصحبتهم مجموعة من العساكر، وهناك أيضاً «تنافيذ» على الأوقاف، وكم سلبت أراضي مواطنين بحجة أنها موقوفة، و«تنافيذ» على الرعية وجلبهم بالإكراه لإصلاح الطرق العامة، أو بناء المرافق الحكومية.
ولإيضاح الصورة أكثر، أترككم مع هذه المقتطفات من قصيدة طويلة لأحد الشعراء، مرسلة للإمام الطاغية أحمد يحيى حميد الدين:
بلغوا عنا امير المؤمنين
أن هذا الظلم آذى المسلمين
ترك الأمة في أمر مهين
ما جرى منا ألسنا مسلمين
أولاً يستلمون العاشرة
وهي في التخمين ضربة جائرة
وعوائدها عليها دائرة
والرعايا من عناياها ذاهلين
بعد هذا طلبوا ثلث البدل
ازعجوا الناس بسهل وجبل
سلموا فوراً بغاية العجل
وهم إذ ذاك قهراً باكيين
طفقوا يحصون أنواع الثمار
أول الدفتر اسم الدجر صار
والذرة نوعان بيضاء وصفار
برهم حنطة واسم الهند صين
عدة الأغنام رابع ما ذكر
والمخضر ثم فول وعتر
وكذا البسباس معها قد سطر
والرياحين أتت والياسمين
دمغة باسم إعانة حربية
والغني المثري بحاجة ربية
والذي قد كان يملك جنبية
باعها واعتاض عنها بالسكين
ثم قالوا باطنية يا تجار
الفقير منهم وأرباب اليسار
أي وربي ذاك غاية الحصار
يتركوا المثري فقيراً بيقين
بعد ذلك طلبوا عشر الجمال
من ريالين إلى خمسة ريال
أفزعوا النسوان منها والعيال
ثم صاحوا يا أمان الخائفين
أردفوا النحل وفيها أشركوا
مالكيها والذي لم يملكوا
تلف الناس وكادوا يهلكوا
يا لطيف ألطف بنا والمسلمين
وزكاة الفطر يبغوها فلوس
قدرها أضعاف أضعاف النفوس
غمر الناس بها هم وبؤس
فتراهم كالسكارى حائرين
وإذا راجعت أهانوا جانبي
أهون الشتم لنا: يا ناصبي
ما درينا ما السبب يا صاحبي
يستحلون دماء المسلمين
هؤلاء القوم أنصار الإمام
استباحوا كل أموال الأنام
أخذوا الموجود حلا والحرام
ويقولون أنهم متطوعين
كما يحفظ لنا الموروث التعزي كثيراً من الأهازيج الشعبية التي توضح تلك المعاناة، نذكر منها:
من قل ما بيده قالوا له مجنون
أرضه مع الدولة وسلاحه مرهون
دولة إمام والعامل الحلالي
نهبني المأمور قوت عيالي
و«الحلالي» هنا، هو القاضي حسين الحلالي، عامل الإمام يحيى على منطقة «الحجرية»، خلد الشاعر سعيد الشيباني اسمه في غنائيته الرائعة «يا نجم يا سامر فوق المصلى»، وسجل فيها أيضاً ظلمه، وأماني الرعية في التخلص منه ومن عساكره، جاء فيها:
هجرتني والقلب غير سالي
كل السبب عساكر الحلالي
بكر من التربة غبش يلالي
بيده سبيل بجيبه أمر عالي
ربي استمع يا هادي كل حائر
دعا الرعية شوقها لماطـــر
يسقي الجرب يسلي الخواطـر
يطهر القرية من العساكر
ذئاب مسعورة
أوغلت سلطات الأئمة في تفتيت وتمزيق الوطن والشعب الواحد، على قاعدة العصبية المذهبية والعرقية السلالية، ولقد عرَّف الشهيد محمد محمود الزبيري «الإمامة»: بأنها فكرة مذهبية طائفية يعتنقها من القديم فئة من الشعب وهم «الهادوية»، وأن باقي اليمنيين لا يدينون بها، ولا يرون لها حقاً في السيطرة عليهم، لافتاً أن التَحكم الإمامي خلق شعوراً مريراً لدى الغالبية، وابقى الانقسام ظلاً قاتماً رهيباً يخيم على البلاد.
ويؤكد «الزبيري» أن سكان «اليمن الأعلى» العقلاء منهم أبرياء من هذا الافتئات والظلم، وأنهم لبثوا الدهر الطويل يعانون مرارة الطغيان، ويرون فيه حكماً طارئاً عليهم، دخيلاً على حياتهم، يفرض عليهم إلى جانب السلطة السياسية سلطة روحية تعيش في دمائهم كـ«الكابوس الرهيب»، وتجرعهم المعتقدات المسمومة، ثم تطلقهم على الفريق الآخر كـ«الذئاب المسعورة».
بالعودة إلى أدبيات الثوار الأوائل، نجد أن رفع الظلم عن «الرعية الشوافع» كان البند الأول في سلسلة مطالبهم الاصلاحية، التي قدموها للإمام يحيى في العام «1934م»، واستعرضوا بعد ثلاث سنوات ذات الأوجاع والمطالب بصورة أشمل في رسالتهم الجريئة «الأنة الأولى»، وحين ذهب «الزبيري» لتقديمها للإمام يحيى «1941م»، كان مصيره السجن في جبال «الأهنوم» الموحشة.
مطالب «الأحرار» الإصلاحية، كانت داعية في الاساس إلى المساواة، والعدالة الاجتماعية، وتطبيق شرع الله، وقد ركزت مقترحاتهم الاقتصادية فيما بعد، على إيجاد مصادر أخرى لدخل الدولة، تخفف من حدة الجبايات التعسفية، التي اثقلت كاهل الرعية، وهي مطالب للأسف الشديد لم يعرها الأئمة الطغاة أي اهتمام.
تربية إبليس!!
«من قال برأسه كذا، قلنا بسيفنا كذا»؛ قانون الغاب الذي كرسه الأئمة من بيت «حميد الدين» في سلطانهم، فأزالوا قيم الحب والتسامح، وبعثروا بكرامة الإنسان اليمني فوق التراب، وكان لهم عساكر «أعفاط»؛ تم تجنيدهم بعناية لقهر الشعب وإذلاله، وتطبيق قانون الغاب بصورة أشمل، كي تعُم مصائبه الصغير والكبير دون استثناء، وكان حال هؤلاء «المُتنفذون» أشبه بوصف «المُتنبي» الشاعر:
جوعان يأكل من زادي ويمسكني
لكي يقال عظيم القدر مقصود
وقول «الزبيري» الثائر:
العسكري بليدٌ للأذى فطنٌ
كأن إبليس للطغيان رباهُ
أسس الإمام يحيى حميد الدين ذلك الجيش خالصاً مُخلصاً على أساس قبلي، ومعظم افراده من قبائل شمال الشمال «أبناء الأنصار – أنصار الله – أنصار الحق»؛ الذين حاربوا معه الأتراك، وصاروا يعانون من البطالة بعد رحيلهم، وكان يُسمى بالجيش «البراني»، حيث يتولى أفراده تسليح أنفسهم، وفق رغباتهم، ومن مالهم الخاص، ولأن الخدمة فيه اختيارية، فقد ظل قوامه يتأرجح صعوداً وهبوطاً، وتذكر بعض المراجع أن أعلى سقف بلغه حوالي «50,000».
حددت مدة بقاء الفرد فيه من سنة إلى سنتين، ثم إبداله بشخص من أهله أو قرابته، ولكل مجموعة «عريف» أو «شيخ»، وهو المسؤول عنهم، وكان الواحد منهم لا يُسمى جندياً، بل مجاهداً في سبيل الله؛ وكانت تسميتهم الشائعة «عُكفي»، وهي كلمة مشتقة من «الاعتكاف»، والمغزى منها: أنهم في حالة «جهاد» و«اعتكاف» ما داموا بعيدين عن أهلهم وقراهم، عبادة لله وطاعة للإمام.
ومن الصفات التي تطلق على ذلك الجيش أنه غير نظامي، بل عدو النظام، وكان أفراده يضيقون من الانضباط، ورؤساؤه يرفضون التحديث، ويصورونها للإمام على أنها مرهقة للميزانية والأفراد، ووصل بهم الأمر إلى تحريم ارتداء السراويل القصيرة لأنها مخالفة للشرع؛ وغيرها من الأمثلة المضحكة التي لا يتسع المقام لذكرها.
الغرض الأول من وجود هذا الجيش، يرجع إلى رغبة الإمام في منافسة الجيش النظامي، فهو لا يريد لهذا الأخير أن يكون جيشا قويا حتى لا ينقلب عليه، فـ«البراني» يعتبر الأصل في نظر الإمام يحيى وأسلافه، لأنه الجيش الوفي الذي عاصر الجميع، ووقف في كل الحروب إلى جانب الأئمة، لذلك كانت له الأسبقية في كل الأحوال والظروف.
أفراد ذلك الجيش دائما في حالة تحفز للحرب، وأغانيهم وأهازيجهم أغاني وأهازيج حرب، والعسكري منهم يحظى باحترام من يعمل في معيته، وكان يبدي العامل سروره بأن يكون ذلك العسكري في رفقته، فهو بالإضافة إلى مسنده القبلي غليظ الطباع، لا يتهاون في أمور الجباية، ولا يعرف قلبه الرحمة.
تتلخص مهام ذلك الجيش في «الخطاط، التنافيذ، المأموريات»، وقد تناولنا تفاصيل هذه المهام المتصلة بـ«الجبايات» في موضوعنا السابق، والويل كل الويل للرعية إذا لم يحسنوا استقبالهم، فعندئذ يقوم العسكري «المنفذ» بإطلاق رصاصة في الهواء، تسمى «تضميره»، ويعود إلى العامل ويدعي أنهم «ضمروه»، فيرسل الأخير على الفور مجموعة من العساكر لتأديبهم.
توجد في «المقام، والألوية، والقضوات» شعب خاصة بـ«التنافيذ»، وتوزيع «المأموريات»، وهناك يتسابق العساكر لشرائها، مقابل مبلغ من المال يدفعونه للمسؤول عنهم «رشوة»؛ تتفاوت من «أمر» لآخر، فكل منطقة لها ثمنها، وهذا التهافت سببه أن أجرة «التنافيذ» تساوي مرتب عدة أشهر من رواتبهم التي لا تتعدى الخمسة ريالات، كما أن الأكل الذي يأكلونه عند الرعية لا يجدونه في ثكناتهم، والضيافة التي يحضون بها لا يجدونها عند أهلهم؛ ولذلك كانت هذه المهنة محببة عند هؤلاء، وبسببها نجح الأئمة في ايجاد ذلك العداء السافر بين الرعية والعساكر.
شريعة الوحوش
في رسالة طوية بعثها أحد الأحرار إلى الجامعة العربية، منتصف خمسينيات القرن الفائت، قال فيها كلاماً كثيراً عن هؤلاء العساكر المتوحشون، وذكر بأنهم يعبثون بحقوق الرعية، بصورة تفزع لها النفوس، وتنكرها الأخلاق الكريمة، وتغضب لها شريعة الوحوش، وأرجع ذلك إلى نشأتهم الأولى، القائمة على الشراسة، والحقد، والحرمان.
وأضاف: «وقد يبلغ اللؤم في نفوس هؤلاء العسكر أن يصروا على أن يستقبلهم الرعية بالطبول والمزامير، وبعضهم لا يكتفي بهذا، بل يبلغ به التعنت أن يشترط على الرعوي بتوسيع باب بيته حتى يدخل الدار والبندقية في وضع أفقي؛ وبعد الغداء يقومون بمضغ القات، ويحيط بهم بعض المغنيين والمسوطين من رجال ونساء القرية، وصاحب البيت وأولاده واقفون للخدمة، ثم تمر الشهور وهم على هذه الحالة يتنقلون من قرية إلى أخرى، والحقوق التي تجمع تحمل على دواب العشائر المُسخرة».
وأردف: «وقد تبلغ بهم النكاية إلى أن يتطلعوا إلى عورات النساء، ومطاردتهن، وإجبارهن في بعض الأوقات على الفاحشة، ولابد لصاحب البيت أن يطلق لهم الحرية للاطلاع على كل ما يحويه البيت، ويتغاضى عن اقتراف أشنع الجرائم التي تلحق بشرفه، وإلا ضربوا جسمه بالسياط».
وهذا «أبو الأحرار» الشهيد محمد محمود الزبيري، نقل لنا في احدى مسرحياته صورة مصغرة لذلك التوحش، عبر مساجلة بديعة اختزلت كل المعاناة:
«العسكري»:
اين الدجاج.. وأين القات فابتدري.. إنا جياع وما في حيكم كرمُ

«العجوز»:
يا سيدي ليس لي مال ولا نشب
ولا ضياع ولا قربى ولا رحمُ
إلا بني الذي يبكي لمسغبة
وتلك أدمعه الحمراء تنسجمُ

«العسكري»:
إني إذن راجع للكوخ أهدمه
يا شافعية إن الكذب دأبكموا
ويقول «الزبيري» في احدى قصائده:
جَهْلٌ وأمراضٌ وظلمٌ فادحٌ
ومخافةٌ، ومجاعةٌ، وإمامُ
والجيشُ يحتلّ البلادَ وما لَه
في غيرِ أكواخِ الضعيفِ مقامُ
يَسْطُو وينهبُ ما يشاءُ كأنّما
هُوَ للخليفةِ مِعْولٌ هدّامُ
نثرُوا بأنحاءِ البلادِ ودمّرُوا
عِمْرانها فكأنهمْ ألغامُ
أكلوا لُبابَ الأرض واختصُّوا بها
وذوُو الخصاصةِ واقفون صيامُ
وقبلهما بـ«100» عام، قال الشاعر أحمد بن شرف الدين «القارة» قصيدة شعرية طويلة عن هؤلاء العسكر القبليون، جاء فيها:
القبيلي عدو نفسه
صدق، قد قالها المجرب
كم يطيش في الظلال حسه
حين تشرق وحين تغرب
حق برميل يسد نخسه
ويدزه وهو مسنب
وبشامق تدوس ظهره
وفرق كل اليوم فرقة
وزناجير تفك صدره
كل حلقة تلز حلقة
وحزم أثل تكد جحره
كل ضربة تشل نتفه
ما عليك في الجعيل ملامة
لك ثواب تبعد الشناعة
لا ترجي له السلامة
لا، ولا تطلب الشفاعة
حين زار الرحالة الدنماركي/ الألماني المولد «نيبور» اليمن في عهد «المهدي» عباس بن «المنصور» حسين بن القاسم «1763م»، نقل أحوال عساكر ذلك الزمان، تفاصيلها تتشابه إلى حدٍ ما مع ما ذكرناه أنفاً، ومن ضمن ما قاله: أن الواحد منهم يستبسل في خدمة وإرضاء الإمام، وإذا كان ثمة مواجهة فإنه يربط ساقه إلى ركبته، ويستمر في إطلاق النار على أعدائه إلى أن يفنيهم أو يفنوه.
وأضاف: «يحتفظ الإمام بقوات من الجنود لم استطع معرفتها بالضبط، إلا أنه يعتقد بأنها تبلغ حوالي أربعة آلاف من المشاة، وألف من الخيالة، جند معظمهم من حاشد وبكيل، والرؤساء الأربعة لهذا الجيش، هم مشايخ همدان ووداعة وسفيان وخولان، وبجانب هؤلاء الضباط العموميين الأربعة ذوي الأنساب العالية، يوجد هناك أيضاً نقباء كثيرون، هم أدنى نسباً، وبعضهم كانوا عبيداً في شبابهم، ووظيفة نقيب هي أعلى مرتبة يمكن أن يمنحها الإمام، أما مرتبة شيخ فلا تمنح إلا بالنسب»، أما أسلحتهم فهي الرماح وسيوف المبارزة، وبعضهم يحمل المسدسات في قراب السروج، والجميع لا يعرف شيئاً عن الملابس الرسمية، وكل واحد منهم يلبس ما يروق له.
وقد أشتهر أولئك العسكر طول الوقت بـ «إدمانهم» لـ«البردقان ـ الشمة»، و«الحشيشة»، و«الخمرة»؛ وكانوا يفرضون «الجزاءات» المالية على الناس، في سبيل الحصول عليها، وفي ذلك قال العلامة ابن الأمير الصنعاني:
وأما الجزاءات التي كل ليلةٍ
سياراً تسمى وهي إحدى الفواقرِ
ففي بردقانٍ أُنفقت وحشيشةٍ
وخمرٍ لخمارٍ ولهوٍ لسامر
إن هؤلاء العساكر الذين عاثوا في ربوع «اليمن الأسفل» فساداً وإرهاباً، كانوا هم جميع «جوارح» الإمام التي يبطش بها، وكانوا أيضاً دعامة وسند نظام بيت «حميد الدين» البائد، وأسلافهم، ولولاهم لما استمر مخاض ثورة «26سبتمبر1962م» لأكثر من سبع سنوات، ولولاهم ما عادت «الإمامة الزيدية» لتكشر عن أنيابها من جديد.

هاربون من الجحيم!!
بسقوط «اليمن الأسفل» بيد جحافل الفيـد، انكمشت الأماني، وتراجعت الأحلام، وصارت «الغُربة» خيار الجميع المُر، رفع «الأئمة الزيود» من وتيرتها، ضيقوا على «الرعية الشوافع» أيما تضييق، أجبروهم على الرحيل والمغادرة، في مشهد مؤلم، تكرر بكثافة طوال عهدهم البائس، ولم يبق في القرى الخضراء سوى «الشيوخ، والأطفال، والنساء»، يندبون حظهم العاثر، ويشكون لله ظلم الإمام، وجور العساكر، ويبكون فراق «الأب، والابن، والأخ، والزوج».
يقول العلامة ابن الأمير الصنعاني، مخاطباً أئمة عصره:
رعاياكم في الخافقين تفرقت … وفارقت الأوطان خوف العساكر
إذا سئلت عن جوركم وفعالكم … أجابت علينا بالدموع البوادر
الرحلة لم تعـد «شتـاء» أو «صيـف»، بل صارت في كل الفصول، ومسكونة بـ«الجوع» و«الخوف»؛ وكأنه قدرنا «مزقناهم كل ممزق»، وحين جاء الأئمة من بيت «حميد الدين»، مزقوا الشعب اليمني شر تمزيق، وسلبوه كل شيء، حتى الكرامة، وكان عهدهم حسب توصيف الشهيد محمد أحمد نعمان: «قاتم النظرة للوجود، بطبيعة قادته القادمين من المغارات والكهوف؛ والجبال الجرداء السوداء، وعناء المعركة الطويلة المدى مع الأتراك، والثقافة الشيعية الحاقدة على الوجود».
من اللحظات الأولى لاجتياح عساكر الإمام يحيى مناطق «اليمن الأسفل»، بقيادة «الذئب الأسود» علي الوزير، وقع «الرعية الشوافع» بين خيارين، كلاهما مُر: البقاء أو الرحيل، وحين وزع الطاغية بنيه «سيوف الإسلام» على أعمال اليمن، اشتد الظلم، وعمَّ البلاء، وفي ذلك قال الشهيد محمد محمود الزبيري:
والشعبُ في ظِلّ السيوفِ ممزقُ الـ
أوصالِ، مضطهدُ الجَنابِ يضامُ
وعليه إمَا أنْ يُغادرَ أرضَهُ
هرَباً وإلا فالحياة حِمامُ
وبلغة التعزي الموجوع، ترجم الشاعر أحمد الجابري المشهد المؤلم، بغنائية حزينة، فيها دعوة صريحة للهروب من جحيم الأئمة وعساكرهم، قال فيها:
المطر يسكب
مو يفيد نصرب
والذئاب تقرب
هربوا جا الليل
في مذكراته، تحدث المناضل عبدالغني مطهر العريقي عن رحلته الأولى إلى المهجر، نهاية العام «1932م» وعمره لا يتجاوز الـ«12» ربيعاً، وهي تفاصيل طويلة اختزلت جل المعاناة، شبه بلده بالسجن الكبير، الذي «نسجت جدرانه عناكب الحكم الإمامي، فاختنقت الحريات في شباكه، وأهدرت في براثنه كرامة المواطنين».
أجبرت الظروف بعض أولئـك الهاربون على الالتحاق بـ «الجيش البريطاني»، و«الجيش الإيطالي»، وبنشـوب الحرب العالمية الثانية حلت الكارثة، وحـَدث أن تقاتل «الأخـوة» تحت راية تلك الـدول المُتصـارعة.
حـاربت لا دفاعاً عن وطن
حـاربت من أجل الرغيف
بجـانب الفاشيست
وفي الليالي السـود بين الدم واللهب

 

 أوغلت سلطات الأئمة في تفتيت وتمزيق الوطن والشعب الواحد، على قاعدة العصبية المذهبية والعرقية السلالية
 بسقوط «اليمن الأسفل» بيد جحافل الفيـد، انكمشت الأماني، وتراجعت الأحلام، وصارت «الغُربة» خيار الجميع المُر

رأيت لي صحاباً.. كانـوا من اليمن
في الجانب المُضـاد
حاربتهم وحاربـوني
لا دفاعاً عن مثـل
وكان لا يهم من يعيش أو يمـوت
ولا يهم قاهـر أو منكسر

مغتربون أحرار
إلا أن ما يطمس ذلك الوجع، أن بعض هؤلاء الهاربون، كان لهم عظيم الأثر في دعم ومساندة الحركات التحررية بـ«الداخل اليمني»، وقد لمعت أسماء كثيرة لمهاجرين قدموا الكثير في سبيل انتصار القضية، واستعادة الكرامة، وقد سجل الاستاذ سعيد أحمد الجناحي أدورهم باستفاضة بالغة، في كتابه الموسوم: «أوائل المغتربين وحكاية العبور إلى الوطن».
يقول «الجناحي»: «لا شك أن مسار المغتربين اليمنيين تميز بخصوصيات لم تتوفر عند غيرهم، حين تجاوزت هجرتهم من أجل الذات إلى هموم الوطن، ومشاركتهم في حركة التغيير التي كانت هم كل القوى الوطنية، لذا برز دورهم في خضم الأحداث الوطنية، مما حدد مكانتهم في أدبيات الحركة الوطنية، التي زخرت بتسجيل تضحياتهم، ومواقفهم، وأدوارهم، فأضحت جزءاً من تاريخ الثورة اليمنية».
كانت أغلب بلـدان الله مَحط رحال، ومهوى أفئـدة، وكانت عـدن المدينة، والحبشة الدولة، الأقرب للجوء اليمنيين الاضطراري، تشاركهما عديد دول «افريقية»، و«أوربية»، وإن بنسبة أقل، انقادت إليها خطاهم بلا توقف، واستقبلتهم بلا عراقيل، ككائن أدمي مُرحب به، أنشأوا فيها مستوطنات يمنية، ونظموا أنفسهم، واحتكوا بثقافتها، ولم يعودوا يفكروا بالعودة، حتى تعود العدالة، والكرامة المسلوبة.
بعد تولى الطاغية أحمد الإمامة بداية العام «1948م»، أرسل الشيخ محمد سالم البيحاني بقصيدة ناصحة، مهنئاً إياه بـ«النصر»، ناثراً فيها بعض المطالب الإصلاحية، ومما جاء فيها:
وجميع ما نرجوه من فضل الإمام
هو المضي بمجده المعهود
في فك مسجون ورد مهاجر
ترك البلاد وعاش بين هنود
مع نهاية العام «1959م» توجه الاستاذ أحمد محمد نعمان من القاهرة إلى عدد من دول المهجر، بغرض التعرف على أحوال المهاجرين فيها، وجمع تبرعات لإنشاء «كلية بلقيس»، كصرح تعليمي يلم شتاتهم، ويربط أولادهم بوطنهم الأم، وفي ليبيا التقي بعدد منهم، ممن سبق والتحقوا بالجيش الإيطالي في الحبشة، حيث قادتهم «الدولة الفاشية» لمحاربة إخوانهم العرب، إلا أنهم أنظموا إلى صفوف الثوار، وقاتلوا تحت قيادة البطل العربي الشهير عمر المختار.
وجدهم «النعمان» وأقرانهم في تونس «راضون عن أحوالهم ومعيشتهم، لا يفكرون بأمر اليمن، ولا يخطرو لهم على بالهم»، وبالنسبة لليمنيين المتواجدين في المغرب، فقد سجل «النعمان» إعجابه الشديد بهم وبأحوالهم، فهم حد وصفه مهتمون بالتعليم، شديدو الحنين لليمن، وقدر عددهم في «الدار البيضاء» وحدها بحوالي «1,000» مهاجر.
إحصائيات اليمنيين في باقي البلدان، لم تكن دقيقة في ذلك الوقت، وسأكتفي هنا بذكر أهم بلدين توفرت إحصاءاتهما، الأولى «بريطانيا»، وقد بلغ عدد اليمنيين فيها في العام «1946» حوالي «60,000»، والثانية «الحبشة»، حيث قدر عدد المهاجرين فيها بأكثر من نصف مليون، وما يميز اليمنيين في هذا البلد أنهم انشؤوا مدرسة كبرى، تخرج منها الآلاف، أشهرهم الأديب محمد عبدالولي، الذي خاطب أقرانه ذات «رواية»: «لا تنسوا أنتم.. أن هذه الأرض لن تنفصل عنكم، مهما هربتم، إنها جزء منكم، تطاردكم، ولا تستطيعون منها فكاكا، أنتم يمنيون في كل أرض.. وتحت كل سماء..».
ليته لم يعد!!
غير «الجنون»، ثمة مآسي كثيرة، عاد بها بعض أولئك الهاربون، ولا أقسى من عاهة مستديمة استوطنت أجساد كالحة، وحولتهم إلى بقايا روح مهزومة، لا تعرف للأمل طريق، حينها وجد أولئك النسوة القابعات في خانة الانتظار، أنفسهن في وضع بائس لا يطاق، وترددت همساتهن بنبرات مكلومة: «ليته لم يعد»!!.
لم تعد تجدي توسلات «ارجع لحولك»، ولا أماني «وعد اللقاء حان، اليمن تنتظركم يا حبايب بالأحضان»، فقد حل محلهما: «باعدوا من طريقنا»؛ و«مهلنيش بين الهنا والافراح»؛ ويحسب لـ«العبسيان» أيوب طارش، ومحمد أحمد عبد الولي، براعة حفر أوجاع الاغتراب في تراثنا الفني والأدبي، وتطبيب ذات الجرح النازف بالكثير من الابداع، وإن كان الأول غني عن التعريف، فإن الأخير ذو السيرة الموجعة معني بالتعريف، فهو ابنٌ لأحد الأحرار، من أم حبشية، حين قرر العودة إلى الوطن، سجن في «الشمال»، ومات مقتولاً في «الجنوب»، وعمره لا يتجاوز الـ«34» ربيعاً.
يقول «عبدالولي»: «نحن اليمانيين مكتوب علينا أن نهاجر ونهاجر.. بلادنا ليست لنا، هذه حقيقة تاريخية.. إن لعنة ذو يزن تطاردنا وستظل تطاردنا.. نحن غزاة غيرنا، سيوف غيرنا، بناة بلاد أخرى، هذه الجبال اللعينة عليها أن تسحق أن تذوب لأنها لا تحمي إلا من يماثلها في الكآبة والفراغ، جرداء هي وجبالها وجرداء هي عقولها وعواطفنا.. ماذا نستطيع أن نعمل؟؟ طاحونة هائلة تبتلع وتبتلع، لا أمل سوى أن نذهب بعيداً، لعلنا هناك نستطيع أن نعمل..».
مثـلَّ الأديب «عبدالولي»، صاحب: «يموتون غرباء، صنعاء مدينة مفتوحة، الأرض يا سلمى، شيء اسمه الحنين، عمنا صالح»، نقطة أولى وفارقة في تصوير مألات الغربة، وقساوة الاغتراب، استحضر بروائعه المُغلفة بالحنين، وقائع قاسية لأحـوال اليمنيين في المهجر، وتفنن في تصوير غشـم السلطة الاماميـة وعدائها للمجتمـع، كما نقل بدقة طبائع الصراع الاجتماعي والسياسي الدائر، وجسد تـوق الشعب اليمني إلى كسر سجن الطغـاة، وبنـاء عـالم أفضل.
يقول بطل روايته «صنعاء مدينة مفتوحة»: «إننا لا نستطيع عمل شيء لأنفسنا.. ولا أرضنا.. ولا حتى لهؤلاء العساكر.. إذا لم نخلق من جديد.. نخلق كل شيء.. الناس.. الأرض.. الوادي.. حتى أنفسنا، أننا لا نستطيع أن نعيش مع الحمير في حظيرة واحدة، لا أن نعامل معاملة الحمير، يجب أن نجد لأنفسنا مفهوما.. وأن نعرف حقيقتنا».
لم يرد «عبدالولي» من القراء أن يتعاطفوا مع أبطاله، الذين تتقاطـع أنفاسهم وأرواحهـم مع واقعهم الكئيب، سواء في «الداخل» أو في «الخارج»، بل وتـدخل غالباً في تناقضات رهيبـة للخلاص منه، إنما أراد من القـراء المشاركة في الحـدث، وأن يتحولوا إلى أحرار عمليين، بما يشبه الدعوة إلى الثورة، وهو ما كـان، وسوف يكـون.

الكاتب .

.

مواضيع متعلقة

اترك رداً