أشعل عود الكبريت في جسد الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس: الثائر راجح لبوزة.. مفجر ثورة اكتوبر وقائد “الذئاب الحمر”

img

الثائر والمناضل راجح بن غالب لبوزة، أبرز المدافعين عن ثورة 26 سبتمبر عام 1962م، ومشعل شرارة ثورة الـ14 من اكتوبر 1963م، وقائد الذئاب الحمر في قمم ردفان الشماء، ولد في العام 1917م في منطقة «دبسان» بمديرية ردفان، وعاش يتيماً يكافح الحياة الصعبة من أجل لقمة العيش ويعول والدته و شقيق واحد تركهما له والده ورحل الى جوار ربه، ونتيجة ذلك تحمل مسؤولية رعاية اسرته وممارسة نشاطه التجاري على ظهر جمل وكان يقوم باستيراد الحبوب من إب وقعطبة والضالع إلى جانب غيرها من المواد الغذائية ليتاجر بها في مناطق ردفان.

منصور أحمد

والوضع المعيشي المتردي الذي كان عليه حال اليمن -شماله وجنوبه- من تخلف وجهل وفقر، احرم شخصيتنا المناضل وأول شهداء الثورة الاكتوبرية راجح لبوزة من الحصول على حقه في التعليم.. لكنه كان متسلحاً بالشجاعة والحكمة والاقدام والقبول لدى مشايخ القبائل والوجاهات الاجتماعية في ردفان والضالع والمناطق المجاورة لها، فضلاً الى انه صقل مواهبه هذه في مدرسة النضال والعمل السياسي والانضمام الى حركة القوميين العرب والجبهة القومية مبكراً. وهذا مكنه في إثارة الرعب وإحداث زلزال تحت أقدام المسؤولين وقوات الاحتلال البريطاني (الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس).
وحسب روايات رفاق الشهيد راجح لبوزة، فإنه بدأ يفكر بضرورة طرد الاحتلال البريطاني وأن عليه مقاومة هذا الاستعمار الغاشم فشكل خلايا سرية من أبناء ردفان وأعدهم لمقارعة المستعمر، ولكنها كانت مجاميع غير منظمة شكلت بداية الانتفاضات وبدأت أول عملية فدائية وعمل مسلح نفذ في مهاجمة ثكنة عسكرية لجيش شبرة التابع للقوات البريطانية في منطقة ردفان بجبل الحمراء الحبيلين، عام 1942، بقيادته والقضاء على هذا المركز نهائياً.
وفي عام 1957، قصفت طائرات «هوكر هنتر» قرى ردفان، فقاوم الثوار تلك الطائرات واسقطوا طائرتين مهاجمتين..
ومع اعلان قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م، وجد الثائر راجح لبوزة فرصته في تحقيق حلمه بالتخلص من الحكم الكهنوتي وطرد المحتل من ارضه، ومن أجل التفرغ للذهاب إلى شمال الوطن للدفاع عن ثورة سبتمبر الوليدة، عقد اتفاقات صلح بين قبائل ردفان.
< وقال المناضل/ محمد جابر ثابت، صديق ورفيق الشهيد لبوزة في مختلف مراحله النضالية حتى يوم استشهاده في قمة جبل «البدوي» بردفان: «سارع المناضل لبوزة الى عقد صلح بين قبائل ردفان ثم انطلق من مسقط رأسه من وادي دبسان الى منطقة «ذي ردم» حيث توجد قبيلتا الداعري والمحلاتي المتقاتلتين وعقد فيما بينهما صلحاً لمدة سنة وكان يتواجد هناك سيف مقبل عبدالله وأبناؤه حيث ذهبوا معاً ومجموعة كبيرة من أبناء ردفان إلى قعطبة وكانوا حوالى «150» شخصاً، وتم ترحيلهم إلى إب ثم إلى الحديدة، وهناك سلمت لهم أسلحة شخصية وذخيرة، وكان الشهيد يترأس تلك المجموعة، وفي تعز الشيخ سيف مقبل لاستقبال المجاميع التي سوف تلحق بهم وواصل الشهيد المسير من الحديدة ومنها إلى منطقتي عبس والمحابشة برفقة قائد لواء إب الشهيد أحمد الكبسي».
واضاف: «وكان في استقبالهم هناك قائد القوات المصرية المرابطة في عبس والمحابشة وتم تمركز القوة التي كان يقودها الشهيد لبوزة في المحابشة في منطقة الوعلية والمفتاح الخاليتين من السكان ولا تتواجد فيهما إلا القوات المصرية وقوات الشهيد لبوزة، والشهيد أحمد الكبسي، وعبدالمنعم رياض قائد القوات المصرية في المحور».
وتابع قائلاً: «وكانت تتواجد هناك مجاميع من القبائل المتمردة على الثورة حاصرت المقاتلين من أبناء ردفان والقوات المصرية، فتقدم الشهيد لبوزة بمجموعة تتجاوز خمسين مقاتلاً، وفك الحصار عنهم، واستشهد مجموعة من مقاتلي ردفان في تلك المعركة.. وبعدها طلبت القيادة في صنعاء وبوجود الشهيد أحمد الكبيسي برفقة الشهيد لبوزة، ان تعود مجموعة لبوزة الى صنعاء وذلك للالتقاء بالقيادة هناك والتشاور حول عودة المجموعة إلى ردفان وتفجير الثورة هناك لمقاومة الاستعمار البريطاني.
وبالفعل حضر الثائر لبوزة مع آخرين تجاوز عددهم الالف شخص سياسي وعسكري، أول مؤتمر لمختلف القوى الوطنية اليمنية، في 24 فبراير 1963م، لمناقشة إنطلاق الكفاح المسلح وتحرير جنوب اليمن، والذي كان باكورة العمل الثوري المنظم ضد الاحتلال البريطاني.
وجرى اللقاء في صنعاء بحضور المشير عبدالله السلال رئيس الجمهورية وقحطان محمد الشعبي ومحمد علي الصماتي وثابت علي وعبدالحميد بن ناجي وغيرهم وخرج اللقاء بقرار عودة المجموعة برئاسة الشهيد لبوزة إلى ردفان إلا أنه لم تحدد ساعة الصفر لانطلاق الثورة، وفعلاً عادت المجموعة مع أسلحتهم الشخصية.
رسالة الضابط السياسي البريطاني للبوزة
وتابع المناضل محمد جابر، حديثه، قائلاً: «ان امر تحديد المكان والزمان المناسبين للثورة ترك للمجموعة تحديده، إلا أن الاقدار شاءت ان يكون ذلك صبيحة الرابع عشر من اكتوبر من عام 1963م.. وذلك عندما سمع الضابط السياسي البريطاني الموجود في الحبيلين بعودة الشهيد لبوزة ومجموعته مع أسلحتهم وكذلك امتلاكهم لقنابل يدوية، فارسل رسالة يطلب فيها من الشهيد لبوزة ومجموعته تسليم أنفسهم وأسلحتهم إليه وعدم عودتهم إلى الشمال بضمانة مالية قدرها(500 شلن)».
وأضاف: «عندما استلم الشهيد رسالة الضابط السياسي البريطاني دعا فوراً إلى عقد لقاء يضم جميع العائدين من الشمال على أن يكون اللقاء في وادي عقيبة وجبال ردفان، وكان اللقاء عصراً حضره أكثر من 200 مقاتل وتم قراءة الرسالة المرسلة من الضابط الانجليزي على الحاضرين، فسألنا لبوزة ما الذي تريدونه الاستسلام أم الرد والمواجهة؟ فاختار جميع من في المجلس خيار الرد والمقاومة».
لبوزة للضابط البريطاني: المواجهة بيننا وهذه رصاصة التحدي
على هذا خرج اللقاء بضرورة الرد على الانجليز فكانت الرسالة التالية:
«إلى حضرة الضابط السياسي البريطاني.. وصلت رسالتكم الخاصة الموجهة إلينا بخصوص عودتنا من الجمهورية العربية اليمنية والتي تضمنت تسليم أسلحتنا وكل ما بحوزتنا من قنابل وغرامة خمسمائة شلن وضمانة بعدم عودتنا إلى اليمن وتسليم ذلك إلى حكومتنا حكومة الاتحاد..
نحن نعتبر حكومتنا هي الجمهورية العربية اليمنية وليست حكومتنا حكومة الاتحاد.. وغير مستعدين لكل ما هو في رسالتكم، ونعتبر حدودنا هي من الجبهة وما فوق وأي تحرك لكم من تجاوز حدودنا فنحن مستعدون لمواجهتكم بكل امكانياتنا ولا تلوموا إلا أنفسكم .. والسلاح ختام.
الشيخ/راجح بن غالب لبوزة
عن مجموعة العائدين إلى ردفان من الجمهورية العربية اليمنية».

وتم ارسال الرسالة مظرفة وبداخلها طلقة نارية وعلى أثر ذلك تقدم الجيش العربي الاتحادي والبريطاني إلى وادي المصراح حيث هجموا على شخص من مجموعة لبوزة أثناء عمله في الحصاد فأخذوا سلاحه وتم حجزه وأخذوه إلى الحبيلين، فدعا الداعي إلى الشهيد لبوزة ومجموعته، وتحركوا ليلة 13 اكتوبر إلى جبل البدوي، ووزعت المجموعة على قمة الجبل وأسفله وكانت المواجهة يوم 14 أكتوبر في معركة استمرت حتى الساعة الثانية عشرة ظهراً، استشهد فيها المناضل لبوزة من جراء القصف المدفعي الشديد للعدو البريطاني، وتم دفنه بعدها في وادي عقيبة وواصل من بعده أبناء ردفان وأبناء الجنوب خصوصاً واليمن عموماً مسيرة الكفاح المسلح في الريف والمدينة حتى تم اجلاء المستعمر البريطاني دون قيد أو شرط في 30 نوفمبر المجيد.
وفي رده على من صاحب فكرة وضع الرصاصة في المظروف إلى جوار رد الرسالة، قال محمد جابر: «الشيخ لبوزة طبعاً».. وأضاف: «أنا كتبت الرسالة «الرد» لأنني كنت الوحيد الذي يجيد القراءة والكتابة بين المجموعة حينها، وكلفت اللجنة قاسم شائف بإيصالها إلى الضابط السياسي البريطاني «ميلن» فقال قاسم شائف للشهيد لبوزة: ماذا أقول لهم؟».
واوضح، بان «لبوزة تحرك فوراً وأخرج من حزامه طلقة رصاص زاكي كرام عليمان وأمرني أن أودع تلك الرصاصة داخل المظروف إلى جوار الرد.. وقال لقاسم شائف قل لهم لا يوجد معنا إلا من هذا العيار».
وتابع: «أخذ قاسم شائف الرسالة وأوصلها فقامت قيامة الانجليز.. تحمسوا وقالوا من هؤلاء الذين يتحدوننا؟! وطبعاً هم عندهم امكانات، عندهم مدفعية، عندهم طائرات أما نحن لم نكن نملك سوى سلاحنا وثلاث قنابل كان قد زودنا بها الشهيد أحمد الكبسي فور عودتنا إلى ردفان، وكنا نعتقد أننا سنفجر بها اليمن كلها».
وعن ما حدث بعد ذلك، قال: «بعد ذلك يوم 13 أكتوبر تحركت القوات البريطانية في وادي المصراح واخترقوا الوادي فاعتقلوا واحداً من زملاء الشهيد لبوزة وهو أحمد مقبل عبدالله -كما ذكر سلفاً- وصادروا سلاحه واحتجزوه، فتناقل المواطنون الخبر من شخص إلى شخص ومن قرية إلى قرية حتى وصل الخبر إلى لبوزة الذي أمر الجميع بتجهيز أنفسهم حينها طالباً منهم التحرك باتجاه وادي «ضرعة» وحيد ردفان لإشعار الناس في تلك المناطق بما يجري على أن يكون اللقاء في رأس جبل «البدوي» مساءً، وكان غرض لبوزة من جمع المقاتلين في رأس جبل البدوي الاعداد للقيام بهجوم على مركز القوات البريطانية في منطقة الحبيلين رداً على اعتقالها لأحمد مقبل، وفي منتصف الليل بعد أن تجمع الثوار وفاق عددهم الـ70 رجلاً أمرهم لبوزة بالتفرق على شكل مجاميع صغيرة حتى إذا جاء الصباح بدأت مجاميع أخرى تنظم إلى المجاميع الأولى فقام لبوزة باعداد خطة قسم فيها الثوار إلى أربع مجموعات.. المجموعة الأولى كانت بقيادة ابنه بليل راجح لبوزة وأنا كنت ضمن هذه المجموعة وكانت مهمتنا النزول من رأس جبل البدوي والتمركز في القمة على يمين قرية البيضاء بحيث تكون المواجه الأول للعدو أثناء عبوره لوادي المصراح..
أما المجموعة الثانية فكانت بقيادة محسن مثنى حسين وهذه كان مهمتها التمركز في أسفل الجبل خلف المجموعة الأولى لحمايتها.
والمجموعة الثالثة كانت أكبر مجموعة وهذه بقيادة الشيخ راجح لبوزة نفسه وهذه كانت مهمتها السير إلى غرب الجبل وتطويق العدو وعدم السماح له بالانسحاب.
أما المجموعة الرابعة فكانت بمثابة قوة احتياطية لحراسة المجموعتين الأولى والثانية من ناحية ولاستقبال الوافدين من الثوار من ناحية أخرى».
وأضف: «بدأت المعركة بعد أن تحرك الجيش الانجليزي مع الصفوف الأولى فأطلقنا النار على مقدمة القوات وتصدينا لها بقوة ولم نسمح لها بالانتشار وعندما شاهدت المجموعة الثالثة الاشتباك بيننا وبين القوات الانجليزية قامت باطلاق النار على مؤخرة الجيش البريطاني فلجأت قواتهم إلى القصف المدفعي المكثف وكان التركيز بكثير على المجموعة الثالثة التي كان يقودها الشهيد لبوزة في أكمة «الضاجع» وكان الشهيد قد تقدم على مجموعته هو وشخص آخر اسمه سعيد حسين العنبوب فيما رأى مقدمة القوات تراجعت للوراء، وفي الساعة الحادية عشرة ظهراً أصيب موقع لبوزة بخمس طلقات مدفعية ثقيلة فأصابته منها شظية في الجانب الايمن تحت الابط اخترقت جسده حتى الجانب الايسر على موقع القلب في حين كان قابضاً على سلاحه يطلق النار على مؤخرة القوة..
حينها دعا الداعي أن لبوزة قد استشهد مما جعلنا نشعر بالهزيمة.. الهزيمة طبعاً لأنه القائد وعندما يقتل القائد يعد الجيش مهزوماً لامحالة.. استشهد وكان عمره «46» سنة رحمه الله.
وله من الأبناء 4 أكبرهم بليل راجح الذي يعد من الطلائع الأولى لانطلاق أول شرارة لثورة 14 اكتوبر المجيدة، وكان مع أبيه يوم استشهاده.
وفي اليوم الثاني لاستشهاد لبوزة تم دفن جثمانه في قرية الذنب بمنطقة «عقيبة» بحضر حشد جماهيري كبير جمعيهم وقفوا على قبر الشهيد هناك ليتعاهدوا على أنفسهم وبصوت واحد بمواصلة الكفاح الذي بدأه الثوار بقيادة الشهيد/ راجح غالب لبوزة.
بعد هذا أصدرت الجبهة الوطنية بياناً عن انطلاق الثورة من ردفان واعتبرت أن الشهيد لبوزة هو أول شهيد في ثورة 14 أكتوبر».

الكاتب .

.

مواضيع متعلقة

اترك رداً