المرأة اليمنية.. تار يخ من النضال والكفاح ضد الاستعمار

img

للمرأة العدنية تاريخ نضالي سطرته أقلام الكرامة والعزة، في الكفاح المسلح ابان قيام ثورة الـ14 من اكتوبر المجيدة.
كفاح تمخض عن تجربة نقابية نسوية تسللت إلى أوساط النساء حتى تكونت فكرة الكفاح المسلح ضد المستعمر، سبقه تجربة مشاركة المرأة العدنية «دعرة» الى جانب شقيقتها المرأة في الشمال اليمني في مناهضة الحكم الامامي الذي سقط في الـ26 من سبتمبر، لتعود الى الجنوب عند أول شرارة لثورة الـ14 من اكتوبر التحررية من الاستعمار البريطاني، وبهذا جسدت المناضلة «دعره» لحمة ثورية جنوباً وشمالاً حتى أضحت اهداف الثورتين هدفاً متوحداً.
وأستمر هذا الزخم النسوي الثوري لتسطره المرأة اليمنية مجدداً في ثورة الشباب السلمية التي نتج عنها الإطاحة بحكم صالح والسير نحو مخرجات الحوار الوطني.
اليوم ونحن نحتفل بالذكرى الـ54 من ثورة الـ14 من أكتوبر المجيد، يتجلى دور المرأة العدنية في الكفاح المسلح ضد المستعمر البريطاني الكفاح الذي تمخضت عنه مسارات الحركة النقابية والتوعوية التي تفجرت على أثرها شرارة ال14 من اكتوبر ودحر المستعمر البريطاني.

إعداد: رمزي مختار- طارق السعيد

 

تشيد المصادر التاريخية اليمنية بدور المرأة في الجنوب ووقوفها ضد المستعمر البريطاني في مختلف مراحل النضال الى جانب الثوار وماز ادهم حماسة في الأمر هو اصرار الثوار على دحر المستعمر البريطاني ومواجهة العدو بكل أنواع السلاح “الابيض والبارود”، وتتحدث المصادر عن أن للمرأة أدواراً عظيمة وكفاحاً مستميتاً ابتداء من المنازل والمدارس ولم يتوقف عند إنشاء الجمعية النسوية.
كانت النساء يتركن المنازل مفتوحة ليتمكن الفدائيون من الاختفاء داخلها هرباً من جنود الاحتلال أثناء مطاردتهم في الشوارع، وكانت هي المدد بالنسبة للفدائيين، قدمت الاغذية والأدوية واللباس وعملت ايضاً في نقل الاسلحة والذخائر، إضافة الى توصيل المعلومات للفرق في مختلف المناطق، وتوزيع المنشورات وإسعاف المصابين من الفدائيين، وتنظيم المظاهرات السياسية المناهضة للاستعمار وقامت بتوزيع المنشورات والبيانات، كما أن لها دوراً بارزاً في رصد تحركات القوات البريطانية وعملائها.
تعليم الفتاه
منتصف ثلاثينات القرن الماضي كان البداية لتعليم المرأة، خاصةً بعد ظهور الدعوات المطالبة بتعليم المرأة والتي استمرت حتى نهاية الاربعينات عندما خصصت صحيفة «فتاة الجزيرة» ورئيس تحريرها الأستاذ محمد علي لقمان مساحة فيها للدعوة لتعليم المرأة وإعطاءها فرص التعليم مثل أخيها الرجل، وخصصت عدداً من المقالات لمعالجة هذه القضية لتوعية الناس وحثهم على أهمية وضرورة إدخال بناتهم المدارس وتشجيعهن على ذلك واستمرار مواصلة تعليمهن حتى المراحل المتقدمة.
وكان ذلك في عدن بحسب المصادر التي تتحدث ايضاً عن مبادرات أهلية انطلقت في حضرموت لتعليم الفتيات حيث بادر الشيخ عبد الله الناخبي بفتح داره لتعليم المرأة وكانت زوجته وابنته تقومان بهذه المهمة النبيلة.
وقالت الأخت مريم ناصر في تصريحات صحفية نشرت سابقاً، من كود بيحان في الشيخ عثمان: “لقد كان إخوتي وزوجي يشرحون لي فوائد التعليم للبنت، وكانوا يدرسونني وشقيقاتي الأربع في المنزل كل ما كان يعطى لهم من دروس ومعارف رغم أنني لم أكن أحب ذلك، لكن مع الأيام وكثرة الجهد الذي كان أخي يبذله لتدريسي استوعبت أهمية التعليم وواصلت الدراسة مع بنات الجيران في “المعلامة” رغم كبر سني حينها، وهذا أفادني كثيراً، و لقد كنا نساعد أزواجنا ضد الانجليز، وزوجي كان من اعضاء جبهة التحرير وكل أهل كود بيحان في ذاك الوقت كانوا مع جبهة التحرير، فكنا نساعد الثوار في حفر ارض المنزل ودفن الأسلحة فيها، واذكر حادثة حصلت ذات يوم، عندما صحونا في الليل على صوت طرق قوي على بابنا وكان الجنود الانجليز يبحثون عن فدائي هارب وهذا الفدائي كان زوجي الذي خرج وانا نائمة وقام بعملية فدائية مع زملاء له ثم هرب للبيت ولمح الجنود ظله وهو يدخل المنزل فلحقوا به، وعندما صحوت على طرقهم الباب رأيته أمامي ملثم فخفت لثواني ثم انتبهت ودفعته إلى داخل “حزمة قصب وحشائش مكومة للمواشي” وعليها “قصع وكراتين”، كوم كبير، وعندما دخل الجنود فتشوا البيت وعندما وصلوا إلى الكوم رجعوا للوراء أولاً من رائحة المواشي وأوساخها التي كانت تحت الكوم وثانياً لأنهم خافوا من سقوط الكوم عليهم فخرجوا بسرعة وهم يشتمونا”.
دور جمعيات المرأة
بدأت جمعيات المرأة في عدن في العام 1937م تعمل في الحقل الاجتماعي في مجال التخفيف من ويلات المصابين من الكوارث والحوادث وتوزيع بعض الاحتياجات الى أن تأسست “جمعية المرأة العدنية” في العام 1958م برئاسة المناضلة الفقيدة “رقية ناصر” أم صلاح محمد على لقمان ومشاركة كل من المناضلات نبيهة حسن على، عيشه بازرعة ، صفية جعفر، قدريه علي جعفر، فاطمة هانم، فريال فكري وأخريات، وهن من الرعيل الأول اللاتي تلقين التعليم وتخرجن الى ميدان العمل لكن القيود الاجتماعية كانت سبباً في تقييد حركتهن وهو ما أثر على أدائهن، فظهرت بعض النداءات في الصحف للمطالبة بإعطاء المرأة نوعاً من الحرية من خلال كتابة المقالات الصحفية والحوارات التي تناقش مسالة الحجاب وعمل المرأة وحقها في تشكيل تنظيم سياسي وتواصل إلى خروج فتيات، بينهن رضية إحسان الله نورا وصافيناز، نجاة محمد حسن خليفة، نفيسة عبد الله منذوق، بزيارة رؤساء تحرير الصحف، متحديات بذلك بعض المناوئين لخروج المرأة إلى النشاط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي العام.
بعدها اتحدت المرأة اليمنية مع الرجل في العمل الوطني اليمني وفي المطالبة بجلاء القوات البريطانية عن جنوب اليمن.
ففي العام 1959م برز نشاط المرأة السياسي في مظاهرة عنيفة قادتها احتجاجاً على أساليب السلطة الاستعمارية في قمع الجماهير.
وفي الأول من يناير من العام 1960م تكونت “جمعية المرأة العربية” بقيادة المناضلات: “رضية إحسان الله نورا وصافيناز خليفه وليلى جبلي” كفرع تابع لحزب البعث العربي الاشتراكي في عدن، وكانت هذه الجمعية تنادي بحرية المرأة وحق العمل والمشاركة الفاعلة في النقابات العمالية.
المظاهرات وانعكاسها الثوري
كانت السياسات التعليمية البريطانية تهدف الى مسخ الشخصية الوطنية عن طريق فرض مناهجه الاستعمارية وهو ما وقفت أمامه المرأة العدنية وقامت بانتفاضة بدأت بها طالبات كلية البنات في خور مكسر في الاول من فبراير 1962م واعلّن الاضراب العام والخروج في مظاهرات حاشده تجاوب معها طلاب المدارس واستمرت لعدة اسابيع استخدمت خلالها قوات الاحتلال البريطاني القنابل المسيلة للدموع ومارست الاعتقالات والمحاكمات إلا انها لم تستطع إخمادها فظلت تجوب شوارع عدن منددة بالاستعمار مما دفع بالسلطة الاستعمارية إلى إغلاق كلية البنات سنة دراسية كاملة ومدارس البنين عدة أسابيع، عقاباً على الانتفاضة، وقررت السلطة الاستعمارية معاقبة ست طالبات “عيشه سعيد ناليه، أنيسة سليمان، نجاة راجح، منيرة محمود منيباري، هيام معتوق، عادلة صالح عوض” بدفع الغرامة “بعد محاكمتهن”.
وتحدثت المناضلة خولة أحمد شرف، واحدة من مناضلات حرب التحرير، وهي التي درست في مدرسة البنات في الشيخ عثمان، التي افتتحت في عام 1956م بحسب صحف يمنية عن دور المرأة النضالي في ثورة أكتوبر قائلة: “كان للمرأة الدور الأكبر، حيث كانت تعمل على نقل أسلحة وإخفائها في سياراتهن، كما فعلت الفقيدة نجوى مكاوي، وإخفاء بعض الفدائيين في منازلهن، والبعض الآخر تلقي كلمة من على منبر المساجد، وكانت الجبهة القومية تصدر نشرة التحرير بمطبعة عادية، كانت عبارة عن ورقة واحدة من الجهتين، فيها أخبار ومواضيع توعوية، توزّع داخل المدارس، وعملت هذه النشرة على رفع مستوى التوعية والاستقطاب، خاصّة بعد أن انتقل العمل إلى جبهة عدن عمل فدائي، نحن كنا ضمن القطاع الشعبي، وهو القطاع النسائي، واستمرّ نضالنا إلى نيل الاستقلال”.
الكفاح المسلح
لعبت المرأة العدنية دوراً كبيراً في مجالات عدة خلال سنوات الكفاح المسلح كما أسهمت في توعية النساء وتعبئتهن للوقوف إلى جانب الثورة والمشاركة فيها، وانضمت أعدادُ كبيرة من النساء في عدن وفي الأرياف إلى الجبهة القومية وجبهة التحرير والتنظيم الشعبي كأعضاء وقائدات للمظاهرات، وشاركن في نضال النقابات العمالية وفي تكوين النقابات الست عام 1966م وكان من المنظمات إلى هذه النقابات مجموعة من المعلمات منهن “ثريا منقوش، فوزيةمحمد جعفر الشاذلي، فطوم على احمد، انيسة سالم، آمنة عثمان ورجاء احمد سعيد”، ومارسن نشاطهن العلني ضمن هذه النقابة بالإضافة إلى أنهن كن يستقطبن العناصر اللواتي كان يظهر فيهن الإيمان بضرورة طرد المستعمر الغاصب للانضمام إلى تنظيماتهن السرية.
وقد حملت المرأة السلاح وقاتلت ضد قوات الاحتلال البريطاني ومنهن الثائرة “دعرة بنت سعيد، وصالحة أم الشهيد علي شايع هادي، وفاطمة ناصر مثنى، ونعمة بنت سعيد، وخديجة الحوشبيه، وكانت قائدة لكتيبة مقاتله”.
وقالت المناضلة ليلى المحمدي لصحف يمنية :”إن النساء شكلنّ إبان مرحلة الكفاح المسلّح الدرع الواقي للمتظاهرين على الاستعمار، وكان لوجودهن في صدر التظاهرات أهمية كبرى لحماية جميع المتظاهرين، إذ أنّ الاستعمار كان يخشى ردّة فعل المجتمع، فيما إذا قام بقمع المظاهرات التي تتصدّرها النساء، وبفعل الحمية والنخوة، وتركيبة قوّات الاستعمار البريطاني”.
ولخصت المحمدي الوضع حينذاك بالقول: “الظروف آنذاك كانت تستدعي من الجميع رجالاً ونساء الانخراط ضمن خلايا العمل المسلّح، الذي يشهد لنا كنساء بذلك”.
وتقول المناضلة فطوم عبداللطيف: “كنا نلتقي مرة اسبوعية وبصورة سرية وعادة ما نختار بيوتاً يكون افرادها دائمي التواجد فيها وليس فيها شباب وفي ذات الوقت ليس لها شبهة وبالتالي لم يكن يخطر في بال جنود الاحتلال اننا مجتمعون”.
وتضيف: “كانت لنا اسماء تنظيمية تختار كل عضوة اسماً لها ويبقى معروفاً في اطار الخلية التي تنتمي اليها، وبالنسبة لي اخترت اسم فوزية كاسم تنظيمي لي ولم نكن نعرف عضوات باقي الخلايا بل تعرفنا عليهن خلال المظاهرات والمسيرات التي كنا نشارك فيها”.
وتواصل فطوم حديثها “لقد كان ابني معي من تنظيم الجبهة القومية وكان هو همزة الوصل بالنسبة لي مع الاخرين وكان في بعض الاحيان يقوم بتخبئة بعض الاسلحة والمنشورات عندي في البيت اضافة الى الزملاء من اعضاء التنظيم الذين كانوا يهربون من جنود الاحتلال وقد ساعدني في ذلك ان البيت الذي كنت اعيش فيه له بابان”.
»دعرة« نموذج للكفاح المسلح
المناضلة مريم سعيد ثابت المعروفة ب”دعره”، من منطقة ردفان، تنتمي الى اسرة فقيرة تحملت مسؤولية رعاية اسرتها، بعد وفاة والدها عملت في الزراعة وتجارة الفحم.
بدأ نشاطها السياسي في العام 1940م عندما شاركت في انتفاضة الحمراء خفية من والدها الذي اكتشف شجاعتها فأشترى لها بندقية فرنساوي ثم شاركت في انتفاضة 1956م التي اسقطت فيها طائرة هيلوكبتر تابعة للقوات البريطانية في الحبيلين وهي الانتفاضة التي اعتقلت على اثرها لتتمكن فيما بعد من الهرب ثم شاركت بعد ذلك في المواجهات بجبال وشعاب ردفان.
دورها في 26سبتمبر
ما إن تفجرت ثورة 26سبتمبر ضد الإمامة حتى شدت دعرة الرحال الى شمال الوطن بمعية راجح غالب لبوزة وبعض الثوار وشاركت في المعارك في جبال المحابشة في حجة ضد الملكيين كما شاركت الى جانب ثوار 26سبتمبر في معارك صرواح، كما تقول المصادر الصحفية، لتعود بعدها الى جبال ردفان وانطلاق ثورة 14اكتوبر والتي استشهد فيها شهيد الثورة الأول المناضل راجح بن غالب لبوزه.
مواصلة النضال
واصلت دعرة سعيد خوض معاركها ببسالة وشجاعة منقطعة النظير في وادي بناء وحردبه والربوة والحبيلين والمملاح وبله وفي غيرها من المعارك التي خاضتها ضد الاستعمار البريطاني منها معركة “الثمير” مقر القيادة البريطانية وفيها خرجت المناضلة دعرة في احدى الليالي مع مجموعة من الفدائيين ليقوموا بهجوم مفاجئ على مقر القيادة ودامت المعركة اكثر من ساعتين قتل خلالها الكثير من الجنود البريطانيين واشتعلت النيران في مخازن الذخيرة واحرقت مصفحتان وأثناء تأهب الابطال في الانسحاب اصيبت في ساقها واستمرت في الانسحاب الى أن أصيبت إصابة اخرى أسقطتها الارض عندها أمرت زملائها بعدم حملها وسحبت نفسها الى خلف صخرة لتحمي انسحاب الفدائيين وعند نفاذ الذخيرة حطمت بندقيتها على صخرة كي لا يستفيد منها البريطانيون وأسرت ونقلت الى سجن عدن.
احتفت القوات البريطانية بأسر المناضلة دعرة سعيد عبر بث الخبر بإذاعتي لندن وعدن ووزعت المنشورات على معسكراتها.
وتتحدث المصادر ايضاً عن محاولة الانجليز استجواب ومعرفة الطريق التي يتسلح عبرها جيش التحرير ومستوى التدريب الذي تلقوه على حرب العصابات والجبهة التي تقوم بمساعدة المناضلين الا أنهم لم يحصلوا على شيء عدا جثث حراس سجن المستعمر التي عثر عليها مرمية في اطرافه مذبوحة، فيما زنزانة البطلة بنت ردفان خالية منها.
لتعود بعدها الملازم دعرة سعيد الى جبهات القتال مجدداً موزعة الموت بين قوات المستعمر حتى نوفمبر 1967م عندما ابحرت باخرة بريطانية وفيها آخر جندي مستعمر على الارض اليمنية.
منحت وسام الاخلاص ووسام الثلاثين من نوفمبر وميدالية حرب التحرير وعدد أخر من الشهادات والميداليات واستقبلها الرئيس جمال عبدالناصر وكرمها برتبة ملازم اول مع عدد من زملائها بجبهة التحرير.
توفت الثائرة اليمنية العظيمة دعرة سعيد ثابت بعد حياة حافلة بالكفاح المسلح ودحر الامامة والمستعمر البريطاني في 15اغسطس 2002م لتنتهي حياة امرأة كانت وماتزال فخراً للوطن والمرأة اليمنية.

الكاتب .

.

مواضيع متعلقة

اترك رداً