في تأبين باصرة.. المكلا تستلهم تجربة رجل حكيم فقدته اليمن

img

المكلا / محمد سعيد الحامدي

وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر،  رحيل الاستاذ الدكتور صالح علي باصرة فاجعة مؤلمة لكل اليمن كيف لا وهو السياسي والاكاديمي والمثقف والقيادي الحصيف واستاذ تاريخ اليمن الحديث نشأ محبا للوطن وشب مناضلا في ساحات الميادين ونضج مفكرا سياسيا مستلهما تجارب اليمن في كافة المراحل السياسية، عاش صلبا لا يساوم على مبادئه كان محل تقدير من كافة القوى السياسية والحزبية، حمل بين جنباته قلبا ظل ينبض بحب اليمن حتى وافاه الأجل، ورغم وجع السنين وتصاعد صراخ السياسيين لم ييأس من يمن جديد يحكم فيه العدل والمساواة والمشاركة في السلطة والثروة.
إن اليمن اليوم تفتقد لحكمة وعقل وفكر وعلم رجل بقامة الاستاذ الدكتور صالح باصرة ولكن عزاء الجميع فيما خلفه من اكاديميين وطلاب علم وسياسيين يحملون فكره التنويري الوطني وسلسلة مقالات وكتب وابحاث علمية رصينة ومقابلات اذاعية وتلفزيونية ثقافية تحمل في مضامينها حلول متكاملة لمستقبل الوطن لمن اراد وطن بلا اوجاع.
اربعينية الدكتور باصرة
رغم ارتفاع اصوات الرصاص التي تعيشها اليمن والحرب التي فرضتها مليشيات الانقلاب على اليمنيين حرصت السلطة المحلية بمحافظة حضرموت ممثلة في اللواء الركن فرج سالمين البحسني قائد المنطقة العسكرية الثانية محافظ حضرموت على اقامة حفل تأبيني لفقيد اليمن الدكتور باصرة بالتنسيق مع اسرته الكريمة.
وفي صباحية يوم السبت الماضي خيم الحزن على قاعة التأبين التي شهدت حضورا لافتا من قيادات السلطة المحلية وراعي الفعالية محافظ محافظة حضرموت ومدراء مكاتب الوزارات وجامعتي حضرموت وعدن والقوى والفعاليات السياسية واسرة الفقيد الدكتور صالح باصرة رحمه الله.
وفي حفل التأبين كان الكلمة الاولى للسلطة المحلية التي اشاد فيها اللواء الركن فرج البحسني قائد المنطقة العسكرية الثانية محافظ حضرموت بمناقب الفقيد ومواقفه الوطنية وجهوده في خدمة الوطن خلال توليه لمختلف المناصب التي تقلدها خلال سنوات عمره.
واسترسل قائلا: مثلت حياة باصرة مرحلة من النضال والكفاح في سبيل إشهار سيف الحق في وجه الفساد والمفسدين وفي ذات الوقت كان الفقيد قد مثل في حياته عنوانا للإخلاص والكفاءة والنجاح والتألق الحضرمي فهو منذ صباه كان في طليعة اقرانه في تحصيله العلمي وفي مواقفه الوطنية واينما وجد الاستاذ الدكتور صالح باصرة وجد النجاح.
باصرة صاحب مواقف شجاعة
وعرج محافظ حضرموت في كلمته على الادوار والمناصب القيادية التي تولاها الفقيد في حياته قائلا: تولى الدكتور صالح باصرة قيادة التعليم الاكاديمي الجامعي في جامعة عدن وقاده الى النجاح وقاد جامعة صنعاء وانتقل بها نحو الافضل ووقف على رأس وزارة التعليم العالي وكان مثالا للوزير الناجح.
مضيفا ان الفقيد باصرة رحمه الله كان صفحة ناصعة من صفحات التاريخ الحضرمي المشهود له…تتلمذ على يديه ونهل من افكاره وعلمه المئات بل الآلاف من طلاب الجامعات اليمنية في عدن وصنعاء وكان فقيدنا موسوعة تاريخية متكاملة في تاريخ اليمن القديم والحديث والمعاصر بالإضافة الى هذا وذاك فقد كان سياسيا بارعا ومحاورا فذا ومقنعا لما يريد ان يصل اليه من فكر او موقف وجميع مواقف فقيدنا باصرة متسمة بالإقدام والشجاعة والصراحة والمكاشفة لا يخفي كلمة الحق ولا يهادن او يساوم بالمبادئ والاهداف النبيلة للوطن وابنائه وكان تقرير(هلال باصرة) خير مثال على جدية وصرامة وصراحة فقيدنا.
باصرة نموذج للاعتدال
واستطرد محافظ حضرموت في كلمته بالقول: مهما تسابقت الكلمات وتقاطرت العبارات في ان تصف هذه الهامة الحضرمية لما استطاعت ان تفي بما يستحقه هذا الرجل الشامخ الذي فقدناه وكانت شخصيته قد تجاوزت جغرافية حضرموت واليمن لتحلق في السماء العربية والدولية لمكانة هذا الرجل الاكاديمية والثقافية والوطنية حيث كان فقيدنا يقف على مسافة واحدة في علاقاته مع الجميع وحظي بتقدير واحترام الجميع ممن اختلطوا معه بحكم المهنة او من سمع عنه او شاهده من على المنابر وشاشات القنوات الفضائية يفحم من اراد ان يقحمه او يخرجه عن الإطار العام والاهداف العامة للوطن ومصالح ابنائه،خرج باصرة منتصرا في كافة المراحل والمنعطفات التي مر بها الوطن وصراعاته السياسية وكان خير من مثل جناح الاعتدال في مواقفه لا حقد ولم نسمع قط بأن له عداوات مع أي كان فردا او جماعات او احزاب وتنظيمات.
واختتم البحسني كلماته التأبينية في الفقيد باصرة بالقول: رحل عنا باصرة جسدا لكن روحه الطاهرة ستظل رمزا خالدا في نفوس كل الخيرين من ابناء حضرموت والوطن وستظل افكاره حية في عقول ووجدان كل ابنائه الذين نهلوا من ينبوع علمه وثقافته.
باصرة ينبذ الانقلابات
اما كلمة اسرة الفقيد فقد القاها المهندس محسن علي باصرة عضو مجلس النواب وجاء فيها:
في هذه الصباحية نتصفح بعض صفحات سجل فقيدنا وننهل منها ونأخذ العبر…نعم لكل ميت مآثر ومناقب يتذكرها الاحياء بعد موته.
لقد كان فقيدنا الدكتور صالح ليس اخا فقط ولا صديقا بل كان قائدا وانسانا، لقد افتقدنا اتصالات اخينا صالح ليلة كل جمعة على كل فرد منا ليسأل عن حالنا ونسأل عن حاله لقد افتقدنا انسه معنا ومداعبته للصغير والكبير في كل سنة من عيد الاضحى المبارك واجتماعه مع الاهل والاحباب لقد افتقدنا اتصاله نهاية كل رمضان بأسبوع وهو يرسل كشف المساعدات للأرحام وبعض الاسر المتعففة من ابناء المدينة.
…لقد مات صالح باصرة وبكته احياء المكلا.. بكاه حي الحارة وحي الصيادين موطن ولادته ببيت جده الشيخ محمد احمد باناجه… لقد بكاه حي السلام (برع السدة) موطن الطفولة والدراسة، بكته المكتبة السلطانية وبكاه جامع السلطان عمر القعيطي ومسجد مشهور ومسجد بازرعة بكته دوعن الرشيد ومصنعة باصرة موطن الاباء والاجداد بكته حضرموت بواديها وساحلها بكته عدن كريتر ومقهى زمزم وفندق التلال ايام دراسته للجامعة بكاه جامع ابان وبكته المعلا التي عاش مع اسرته سنين طوال فيها بكته خور مكسر والرشيد مركز دراسته الاستراتيجي وملتقاه الثقافي الاسبوعي بكته صنعاء بجامعتها ومراكزها الثقافية بكته مصر العروبة بكته العراق وبكته دمشق بكته الاردن وحي رشيدها التي احتضنته الخمسة الاشهر الاخيرة من عمره بكته جدة والرياض حيث الاهل والخلان وبكته برمنجها مسكن ابنه البكر شادي وبكته ماليزيا سكن بناته وابنائهن وبكته المانيا التي درس فيها، بكته… وبكينا من بكائهم على فراقه ولا نقول الا الحمد لله رب العالمين وانا لله وانا اليه راجعون.
باصرة شخصية سمحة
وجاء في كلمة للجنة التحضيرية لحفل التأبين للفقيد باصرة القاها الدكتور محمد داؤود: “فقيدنا من الذين يبرز جميل عملهم في أي مكان يوجدون فيه مادام قد عرف كيف يصوغ الواقع والتاريخ معاً، وفي كليهما هو وجه واحد جامع بين النظري والعملي، أوليس التاريخ مجموعة من التحولات المفصلية في حركة الزمن تحولت الى كلمات؟
من هذا المنطلق اسس الفقيد الواقع والتاريخ معا في حياته المباركة.
وهو الى ذلك شخصية سمحة دمثة يألف ويؤلف وكثيرا ما برهن على قدرته في امتلاك القلوب وخدمتها عمليا ولهذا استحضره الناس بقلوبهم وعقولهم معا.
لقد ملآ باصرة حياته كأحسن ما يكون ولهذا نجح ومنذ اللحظة الاولى التي رآه فيها كل منا الى لحظة وداعه الى ما وراء هذه اللحظة من ذكريات سيظل باصرة يشابه احلامنا في الوصول الى الاشياء الجميلة وكما عاش حياته الواقعية بكل ما فيها من خلافات واختلافات فقد قدم التصور النموذجي عن نفسه وتماسك في الاوقات الصعبة والمواقف الحرجة حتى لا يخسر نفسه في لحظات ضاغطة من الزمن فاستقرب لنفسه من ضميره، ولضميره من ربه ولعل هذا يكون شفيعه عند الله الناظر وحده في القلوب انطلاقا من قوله تعالى” فلا تزكوا أنفسكم”.
لا حافة إلا بمأتمها
والقى الشاعر المناضل الكبير خالد محمد عبدالعزيز قصيدة رثى فيها الفقيد نقتطف منها:
مازلت في الارواح ترتجل
ياموت هلا ردك الخجل
تمضي كما تهوى لتثكلنا
في خبر من نهوى ونرتحل
حتام دون الغير تحطبنا
او ما اصابك ياترى الملل
اثخنتنا قتلا ولا ترة
ما بننا سلفت ولا ذحل
وملأت بالأحزان انفسنا
حتى جفانا اللهو والجذل
لا حافة إلا بمأتمها
لا منزل الا به ثكل
تبكي المكلا فقد (صالحها)
فالدمع بحر والجوى جبل
والارض تبكي والسماء…كما
تبكي على (باصرة)المقل…
باصرة العطاء النبيل وسمو الرحيل
وفي ختام حفل التأبين عرض فلم وثائقي عن الفقيد الدكتور صالح باصرة بعنوان” صالح باصرة العطاء النبيل وسمو الرحيل”.
ووزع على الحضور كتاب توثيقي من اعداد اللجنة التحضيرية حمل عنوان “الاستاذ الدكتور صالح علي باصرة رجل القول والفعل” حمل في طياته بيانات نعي وبرقيات تعاز في الفقيد باصرة ومجموعة من كلمات التأبين وكذلك آخر حوار اذاعي مع الفقيد اجراه الزميل الصحفي سند بايعشوت ضمن سلسلة حلقات برنامجه “من رحيق العمر”. وضم الكتاب البوم صوراً للفقيد في مراحل حياته المختلفة.

الكاتب .

.

مواضيع متعلقة

اترك رداً